وإن كان كذلك، فما موقعنا في ميزان الإنسانية؟ كيف نُحسب ضمنها إذا كانت نظرتنا قاصرة، وشعورنا ضعيفًا، ولا همّ لنا إلا إشباع الجسد وما يقتات به؟ أهذا غاية ما يصبو إليه الإنسان؟ أن يتساوى مع سائر الكائنات في مجرد تحقيق الإشباع؟
كأننا بذلك نعطّل ملكات الحس والشعور التي تميزنا، وننحدر إلى مرتبة تشترك فيها جميع الكائنات, غاية النظر عند كثيرين أن يُحدّقوا في مواطن الشهوات، وغاية السمع أن ينصتوا إلى ما يدرّ منفعة مادية.
فما قيمة هذه الحياة إذن؟ ولماذا خُلقت الطبيعة بكل ما فيها من جمال؟ ما فائدة البساتين، والنجوم، وصوت العصافير، والموسيقى، والشعر, إذا كانت لا تُحرّك فينا شيئًا؟ هذه كلها ليست مجرد مظاهر، بل مفاتيح توقظ في الإنسان طاقات شعورية عظيمة، ترفعه فوق ماديات الحياة إلى عمقها وجوهرها, إنه شعور الإنسان ذلك الذي يُحيي النفس، ويحوّل قحطها إلى روضة غنّاء. وإني لأنظر إلى كثير من الناس فأتعجب, كيف يعيشون وهم محرومون من هذا الشعور؟