أعمدة السياسة والحكم تغيرت كثيراً. حتى وقت قريب كانت: السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلام. وقبلها قالوا إنها المكان والزمان والمجتمع والأفراد. وجادل الفلاسفة إنها الشكل الأفضل لتنظيم الحياة البشرية عبر تحقيق الفضيلة والعدالة والحياة القومية الطيبة. واختلفت الحضارات القديمة في ما بينها، وذلك بين حضارة صينية مثلاً تقوم أعمدة السياسة والحكم فيها على الوحدة والتسلسل الهرمي والنظام الاجتماعي المحكم، فيما اعتمدت الحضارة المصرية القديمة على بيروقراطية واسعة النطاق، وهرمية دينية صارمة، وإدارة إقليمية لا مركزية. وقامت اليونانية على الديمقراطية وقدر من الأوليغارشية، مع تركيز على المواطنة المباشرة، والاعتماد على المجالس العامة لصناعة القرار.
تطورت أدوات السياسة ودعائمها وسُبلها على مر التاريخ، لكن ظلّت المكونات شديدة الشبه ببعضها، والأدوات أقرب ما تكون إلى التطابق، تارة باسم الديمقراطية، وأخرى بغرض الديكتاتورية.
المكوّن الأحدث والأكثر تفرداً هو الشبكة العنكبوتية، أو الإنترنت، الذي تحوّل في أقل من عقدين من أداة تواصل ومعرفة ومعلومات إلى ساحة وأداة سياسية، وأعاد تشكيل أساسات الشرعية السياسية، وهيكلة تفاعل المواطنين مع السلطة، إضافة إلى تحوّله إلى أداة ذات حدين، الأول حد الديمقراطية والحرية، والثاني حدّ الديكتاتورية والحرمان من الحرية، إضافة إلى هوامش تتأرجح بين الاستبداد والتحرر والفوضى والتنظيم والاستقطاب والتوحد والفتنة ولم الشمل، وأخيراً وليس آخراً فتح ينابيع التعبير والتنظيم والاحتجاج والتغيير، للأفضل أو للأسوأ بحسن نية أو بسوئها، وكذلك إغلاقها، بحسب الحاجة.