كان الشاعر عبدالحميد الديب فى الخامسة من عمره حين مات جاره الأعرابى «سالم» وكان فتى يملأ العين جمالا والقلب جلالا، وتتعلق به الأنظار فى القرية، ورأى فيه الديب وهو فى سنه بطله، وبموته أصيب بأول كارثة فى حياته، وفقا لصديقه وكاتب سيرته الدكتور عبدالرحمن عثمان فى كتابه «الشاعر البائس عبدالحميد الديب».

يكشف «عثمان»، أن الديب روى له أنه وقف على الباب يرقب بمقلتين زائغتين الأعرابيات وهن يفدن ليشاركن «أم سالم» حزنها، وما هى إلا دقائق حتى شاهد لطم الخدود وشق الجيوب، واستمع رثاء النائحة، وطبع منها فى ذاكرته طوال حياته مقطعا تختتم به المقاطع المختلفة وهو «يا قعود مولد يا بنى يا سالم»، وانصب هذا اللحن اللعين فى تجاويف روحه، ثم تفتحت عيناه على بؤس أسرته ليلتصق به طوال حياته التى بدأت بمولده فى يوليو 1898 بقرية كمشيش بالمنوفية، وتنتهى بالقاهرة فى 30 أبريل، مثل هذا اليوم، 1943، ولم يذكره أحد بكلمة رثاء باستثناء الشاعر كامل الشناوى الذى كتب يقول: «اليوم مات شاعر تعرى، واكتست الأضرحة، جاع وشبعت الكلاب»، وفقا للكاتب الصحفى يوسف الشريف فى كتابه «صعاليك الزمن الجميل».

عاش 45 عاما حاز خلالها على لقب «شاعر البؤس»، وعرفه الكاتب والسياسى فتحى رضوان عن قرب، ويصفه فى كتابه «عصر ورجال»، قائلا: «شاعر موهوب، كان جديرا بأن يثرى ديوان الشعر العربى فوق ما أثراه بألوان غير مسبوقة، وبمعان جديدة غير مطروقة، لو أن الوسط الأدبى كان أكثر جدا، ولكن الواقع أن الحياة الأدبية كان يشوبها لون من الهزل يمارس على قوارع الطرق والمقاهى، وحجرات رؤساء تحرير الصحف، وسقط الديب فى أيديهم، فتلهوا به طويلا، وأكدوا عنده الميل إلى الكسل، وأفقدوه احترامه لنفسه، ولم تمتد منهم يد جاد إلى تقويمه، والارتفاع بموهبته فى حدود خصائصه النفسية».