استمع الشاعر نزار قبانى إلى المطربة نجاة الصغيرة وهى تغنى لأول مرة قصيدته «ماذا أقول له؟»، فكتب رسالة شاعرية عذبة إلى الكاتب والناقد جليل البندارى نشرها فى «أخبار اليوم»، عدد 1 مايو، مثل هذا اليوم، 1965. كان نزار دبلوماسيا بالسفارة السورية فى إسبانيا ويترقب غناء هذه القصيدة بعد أن طال انتظاره لها، لأن ملحنها محمد عبدالوهاب كان يرى التمهل فى تقديمها بعد نجاح نجاة فى قصيدة «أيظن» عام 1960 وكان هو ملحنها ونزار مؤلفها أيضا، واستمع نزار إلى الأغنية فانفعل إعجابا، وكتب رسالته التى يبوح فيها بأحاسيسه وهو يسمعها، ووظف مقاطع الأغنية فى الكتابة، فجعل منها قطعا أدبية نثرية جميلة.
يقول: «أمضيت ليلة العيد فى منزلى بمدريد، أنكش كالعصفور الجائع فى جهاز الراديو بحثا عن الكنز المخبوء فى صوت نجاة وأصابع عبدالوهاب، مؤشر الراديو مثبت على القاهرة أعصابى مشدودة كحبال سفينة تواجه الدقائق الحاسمة، ويدى كقطعة الجمر على مفتاح الصوت، ودموعى كأمطار البلاد الاستوائية، تتساقط بعنف وباستمرار. أين منى القاهرة وأين أحبابى فيها؟ ضجيج الجمهور فى سينما قصر النيل يهدر كموج البحر، ودخان سجائره يختلط دخان سجائرى، إننى أشعر بالحزن، أشعر بالتمزق، أشعر أننى سندباد منفى فى كوكب آخر، ماذا أفعل فى إسبانيا فى مثل هذه الليلة؟! لماذا لا يكون لى مقعد فى سينما قصر النيل أعانق منه كلماتى بعد خمس سنوات من الرحيل والطواف والغربة، أليست خيانة ألا يحضر الشاعر عرس كلماته؟ أليس موجعا ألا أصلى مع المصلين، وأضرع من الضارعين، كيف لا أتمكن من إلقاء زهرة صغيرة على أقدام العظيمين عبدالوهاب ونجاة؟
حبيبتى.. هل أنا حقا حبيبته؟.. دموعى تزداد عنفا.. الأمطار الاستوائية تطوقنى من كل جانب.. صوت نجاة يبللنى بقطرات من الضوء والقطيفة.. هنا جريدته / فى الركن مهملة / هنا كتاب معا / كنا قرأناه/ على المقاعد بعض من سجائره/ وفى الزوايا بقايا من بقاياه.