أثارت الأحداث الأخيرة بطبيعتها المتغيرة والمفاجآت غير المتوقعة منها وما صاحب ذلك من ضبابية الأجواء في المحيط الشرق أوسطية، بل وداخل الدول في غرب آسيا عموماً، وهو أمر يسوقنا إلى ضرورة التفكير وتأمل محنة التنظيم الدولي العربي وقدرته على استيعاب هذه التطورات الجديدة وفهم المتغيرات التي طرحت نفسها بشدة في الأعوام الأخيرة حتى أدرك الجميع أننا مقبلون بالضرورة على أحداث جسام والنبش في أمور مضى عليها قرون عدة استقر فيها الجوار العربي الإيراني وأدرك الجميع أن المشهد الذي نراه هو جزء من حقيقة تاريخية ومشهد جيوسياسي لا يمكن الانفكاك منه أو الالتفاف عليه، إذ إن نزاعات الجيران تحمل في طياتها أخطاراً مركبة تؤدي فيها الجغرافيا والتاريخ دوراً كبيراً وتساؤلاً مكرراً، خصوصاً من أبناء منطقة الخليج العربي بمفهومنا والفارسي بالمسمى الإيراني، فاكتشفنا جميعاً أن ما يحدث الآن هو امتداد لتاريخ عريق وبعد حضاري طويل منذ كنا نتحدث في كتب التاريخ عن العرب والعجم والشراكة التاريخية بينهما، خصوصاً في العصر العباسي، مما أدى إلى ازدهار المعرفة وتألق القدرة لدى البعض على فرض وجودهم على ساحة الشرق الأوسط بما فيها من بيئة عربية حاضنة وملامح فارسية متجذرة، فالواقع أن العلاقات الخارجية الإيرانية كانت في الغالب هادئة بل وفاترة أيضاً لأن دول الخليج العربي تدور بالطبيعة في فلك خاص عاش في ظل مناخ مختلف باعتباره جزءاً من مقوماته حتى انصرف الباحثون والعلماء عن مسؤولية الخطر الجديد والتوغل الزائد في الخريطة السياسية أو المنظومة الفكرية.

لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن صورة إيران تبدو مهترئة في نظر كثير من العرب، ولا شك في أن ذلك الشعور موجود لدى كثير من العرب على الجانب الآخر فلا يثق أحد في نظيره ولا توجد حتى الآن قراءة عادلة تحاول أن تنصف الجميع بالدرجة ذاتها، إذ إن المشكلة دائماً هي أن من يرصدون حركة التاريخ يقع معظمهم في إطار الوجود داخل تنظيمات سياسية أيديولوجية، وهنا مكمن الخطورة لأن أدلجة السياسة الخارجية للدول هي نوع من أنواع التدخل غير المنظور، ولعل أكثر الآثار في العلاقات الدولية المعاصرة هي الانعكاس الأيديولوجي على سياسات الدول وعلاقتها بالآخرين، ولعل النموذج السوفياتي في القرن الـ20 هو الأبرز دلالة على صحة ما نقول، فلقد تشكلت الكتلة الشرقية نتيجة التجمع الأيديولوجي للدول التي اعتنقت المذهب الشيوعي في وقتها بحيث تشكل تلقائياً نوع من الاستقطاب في العلاقات الدولية بين المعسكرين الكبيرين الرأسمالي والاشتراكي.

أنا أحد الذين يقولون إن تلوين السياسة الخارجية هو تعبير تلقائي عن دوافع الصراع الدولي المعاصر حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، إذ استقر في تفكير الدول والحكومات أن ثنائية الاستقطاب السياسي الخارجي هي علامة عصرية لا يمكن تجاوزها، فالعلاقة على سبيل المثال بين الصين وروسيا الاتحادية لا تزال انعكاساً لتحالف قديم في إطار المعسكر الاشتراكي الذي انتهى بسقوط حائط برلين وذوبان الكتلة السوفياتية وبروز مظاهر جديدة للهيمنة الأميركية المطلقة على امتداد خريطة العالم، وهو ما يذكرنا به أسلوب الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب من بسط النفوذ وامتداد الهيمنة، وإذا انتقلنا من المستوى الدولي إلى المنظور الإقليمي فإننا نؤكد إننا كعرب قد قمنا منذ سنوات الصحوة مع مطلع القرن الـ20 بعملية أيديولوجية لصبغ الحياة السياسية العربية بانقسام أيديولوجي من نوع آخر بين أبناء اليمين الدولي واليسار الوطني بحيث تأثر الأمن القومي العربي بتلك التقسيمات.