محدقاً في الفراغ وكأنه ينبـُش في الذاكرة يقول الأول: "ولدتُ بإحساس لم أتبيّنه، أتحسس جسدي أمام المرآة أشعر بغربته، ما تخيّلته أن جسداً آخر مسجوناً بداخلي يريد أن يتحرر، شعورٌ مريرٌ أعجز عن وصفه، لكن من ذاقه عرف. ولاحقاً تعرّفت إلى ذاتي المضطربة جنسياً!".
وبنظرة مكسوّة بالحزن وندوب التمييز التي طبعت أثرها في نفسه يحكي الثاني منكمشاً بين ضلوعه: "لم يدّخر والدي جهداً في أن يوسعني ضرباً بعدما أفصحت عن رغبتي في تغيير هويتي الجنسية (من أنثى إلى ذكر) في مجتمعنا الريفي، الذي صرتُ موصوماً فيه بالألفاظ والنظرات. أجبرني على الخطوبة من أحد أقربائي ظناً منه أنها ستكون دوائي، لكنها باءت بالفشل، وفي المنتهى عبرتُ منقوصاً".
وكالحائر الذي لا يعلم إن كان ضلّ طريقه واقفاً في المنتصف بين جنسين فلا الأنوثة اقتنصتُ ولا الذكورة اكتملَت، يسرد الثالث: "على مشارف الهلاك أقف، ممزقٌ بين عقلي وجسدي أعيش. أمي لا ترغبني سوى ذكر، ولا أشعر بنفسي إلا أنثى، تتهمني بأنني بعيدٌ عن ربي، وأنا ملتزمٌ في صلواتي، لا تراني مريضاً إنما شاذٌ عليها تقويمي، أهلي خذلوني وكذلك الطب والمجتمع، فتركت تعليمي في الجامعة، وأخيراً أستدين أموالاً لإجراء العملية على نفقتي لدى طبيب خاص كي تهدأ اضطراباتي".