كثيرون يظنون أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة، وأنهم على صواب دائم، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فالإنسان مزيج من الخطأ والصواب، من القوة والضعف، ولا يمكن اختزاله في حكم واحد، إن مواجهة الحياة تكشف هذا التداخل باستمرار، وتُظهر أن الأحكام المطلقة غالبًا ما تكون نتاج نقص في الفهم، لا اكتمال في الحقيقة. ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويحمل نقصًا في جانب من جوانب نفسه. فالنفس البشرية ليست ثابتة على حال، بل تتأرجح بين القوة والضعف، وبين الصواب والخطأ، وبين الإدراك والغفلة، إن طلب الكمال المطلق من الإنسان أمر مستحيل، لأنه يتعارض مع طبيعته ذاتها. فالإنسان مخلوق يجتهد، فيصيب أحيانًا ويخطئ أحيانًا أخرى، وتلك هي معادلته الطبيعية في الحياة.

ومن هنا، فإن إدراك الإنسان لحدود قدراته هو أول درجات الوعي. فهو ليس كائنًا مطلق المعرفة، بل عقل محدود الرؤية، يتعلم من التجربة، ويصحح نفسه حين تتكشف له الحقيقة، لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في الخطأ، بل في الاعتقاد بعدم إمكان الخطأ، فأن تؤمن أن رأيك دائمًا صحيح، يعني أنك أغلقت باب المعرفة، وألغيت إمكانية التطور.

ما بين الخطأ والصواب تتشكل الحياة الإنسانية. وليس صحيحًا أن “نحن دائمًا على حق والآخرين دائمًا على خطأ”، بل إن الاحتمال قائم في الاتجاهين. وهذا الوعي هو ما يجعل الإنسان أكثر اتزانًا في حكمه على الأشياء، غير أن كثيرًا من الناس يدخلون نقاشاتهم وأفكارهم بأحكام مسبقة، وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل المراجعة. وهنا تتحول الفكرة من رأي قابل للنقاش إلى يقين مغلق، ومن معرفة إلى تعصب.