استيقظ سكان واشنطن العاصمة في أغسطس (آب) 2025 على مشهد مألوف في كثير من بلدان أميركا اللاتينية، لكنه نادر الحدوث في الولايات المتحدة: جنود نظاميون يقومون بدوريات في شوارع العاصمة الأميركية، في إطار حملة اتحادية لمكافحة الجريمة. وكان الرئيس دونالد ترمب قد وقع في الـ11 من أغسطس أمراً تنفيذياً أعلن فيه "حال طوارئ للجريمة" في المدينة، قائلاً إن إجراءات استثنائية باتت ضرورية لاستعادة السيطرة، وذلك على رغم أن معدل الجرائم العنيفة في العاصمة كان قد تراجع في يناير (كانون الثاني) من ذلك العام إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من 30 عاماً. لكن نشر قوات الحرس الوطني لاحقاً، وهي قوة احتياط عسكرية يمكن استخدامها على مستوى الولايات أو المستوى الفيدرالي لمواجهة الأزمات الداخلية أو النزاعات الخارجية، أشار إلى ما هو أبعد من مجرد الرغبة في معالجة مخاوف السلامة العامة، لقد مثل تحولاً في الطريقة التي تحكم بها الولايات المتحدة نفسها.

وما جرى في واشنطن لم يكن حادثة معزولة، فمنذ بداية ولاية ترمب الثانية، أرسلت إدارته، أو حاولت إرسال، وحدات من الحرس الوطني إلى مدن أميركية كبرى مثل شيكاغو ولوس أنجليس وممفيس ونيوأورلينز وبورتلاند، واضعة كل عملية نشر في إطار الاستجابة للجريمة أو الاضطرابات أو التهديدات التي يتعرض لها النظام العام، وتشير هذه الحالات مجتمعة إلى التآكل التدريجي للحدود الراسخة بين العمل الشرطي المدني والقوة العسكرية.

قد يبدو مثل هذا التحول غير مسبوق للمراقبين الأميركيين، أما في أميركا اللاتينية فهو مسار مطروق منذ زمن، ففي أنحاء المنطقة لجأ سياسيون إلى نشر القوات المسلحة لمكافحة الجريمة، ووعدوا بأن يؤدي وجودها إلى تحسينات سريعة في السلامة العامة والأمن وإعادة فرض النظام. وغالباً ما تبدأ هذه السياسات بوصفها استجابات موقتة لحالات طارئة، لكنها نادراً ما تبقى كذلك. فسرعان ما يصبح التدخل العسكري في إنفاذ القانون الداخلي أمراً طبيعياً، فتتركز السلطة في يد الجهاز التنفيذي، وتضعف المؤسسات المدنية، وتتآكل الحريات العامة. ومع الوقت، تبدأ المؤسسات الديمقراطية في التفريغ من مضمونها، ببطء، ولكن بثبات.