أكثر من قرن مضى منذ اغتيال غريغوري راسبوتين، صاحب الشخصية شبه الأسطورية، المحاطة بالغموض، وبهالات الجاذبية أيضاً. الفلاح الروسي الذي صعد من عداد المجهولين والعوام في أصقاع سيبيريا، ليحتل موقعاً شديد الرفعة وعظيم التأثير في قلب البلاط الإمبراطوري الروسي في سانت بطرسبورغ قبيل أفول نجمه.
صدرت مكتبة ضخمة من المؤلفات عن راسبوتين هذا، فمنها التاريخي والسياسي، ومنها السير والروايات، ومنها الأفلام والمسرحيات، وكلها حاول أن يفسر الدور الدقيق الذي لعبه راسبوتين، عامداً أو غير عامد، في إسقاط الحكم القيصري لروسيا. ولا يزال ذلك التيار مستمراً، وأحدث العناوين فيه كتاب صدر حديثاً بعنوان "راسبوتين: سقوط آل رومانوف" للكاتب والمؤرخ البريطاني المرموق السير أنطوني بيفور:
"يرجع افتتاني براسبوتين إلى زمان بعيد، سابق حتى على شروعي في إجراء أبحاث كتابي السابق (روسيا: الثورة والحرب الأهلية)، فكيف بالفعل استطاع فلاح أميٌّ تقريباً من سيبريا أن يكون صاحب ذلك التأثير المدمر في مسار التاريخ؟ ومع أنه لم يكن له منصب رسمي، ولا كانت تحت إمرته قوات، وكان مناصراً مخلصاً للحكم الإمبراطوري، وما هو بثوري، فإنه أسهم، عن غير قصد، أكثر مما أسهم أي فرد واحد في انهيار أعظم حكم استبدادي في العالم. لقد كتب الشاعر ألكسندر بلوك عضو اللجنة الاستثنائية للتحقيق في القضية بعد ثورة فبراير (شباط) 1917 أن ’هذا الشخص، كائناً من كان، قد حظي بنفوذ هائل. فعاش أيامه في جو فريد كان فيه محط الإعجاب الهستيري والكراهية الدائمة، إذ عبده البعض في حين سعى آخرون إلى هلاكه. ويكمن سر تفرد هذا الفلاح الفاسق الذي لقي مصرعه برصاصة أصابت ظهره في (حفلة مع الغرامافون) بمنزل يوسوبوف في أن الرصاصة التي أجهزت عليه قد استقرت حقاً في قلب الأسرة الحاكمة‘".