صحيح أن المفكرين الثلاثة الذين نركز عليهم حديثنا في هذا المقال والمقالين التاليين تباعاً، لم يكونوا لا مبتدعي الفكر النهضوي في أوروبا، ولا الوحيدين الذين خاضوا غماره بانين للإنسانية جمعاء فكراً إنسانياً ربط الفكر المعاصر لهم، وعلى وجه الخصوص، بالتنوير الفلسفي، وغير الفلسفي الإغريقي، غير أنهم، وكل على طريقته وفي بلده، غاصوا في نوع من فكرانية إنسانية سرعان ما تبيّن كونها حاجة ماسة لوجود الإنسان في هذا الكون.

ولعل اللافت إلى أنهم، حتى وإن كانوا معاً قد أضافوا الفكر اللاتيني إلى التراث الإغريقي الذي نهلوا منه، لم يكن أي منهم إيطالياً بل انتمى الثلاثة إلى بلدان تبعد أو تدنو من إيطاليا جغرافياً وفكرياً، بل تنهل حتى من مجمل تراثاتها الإبداعية. ونتحدث هنا تباعاً، عن إيراسموس الهولندي وتوماس مور الإنجليزي، وبالتأكيد عن مونتاني الفرنسي، الذين، ومن بين القواسم المشتركة بينهم، كان هناك غوص كل منهم في العمل السياسي والاجتماعي ذات حقبة من حياته، وربما أيضاً طوال تلك الحياة، فدفعوا ثمناً باهظاً للكلمة الحرة والتنوير والاختيار الحرّ كما يحدث لأشباههم في البلدان كافة والأزمان كافة، إذ يجابهون قوى الظلمة والشر والجهل، عراة من أي سلاح سوى فكرهم الحرّ النير. ونبدأ هنا بأستاذهم جميعاً وصديقهم ومزامنهم إيراسموس على أن نعود إلى توماس مور ومونتاني غداً وبعد غد.