إذا تبحرنا حقاً في المتن الكتابي، المسرحي وغير المسرحي، للكاتب الألماني برتولت بريخت (1898 - 1956) الذي يمكننا اعتباره السيد المطلق، بل حتى المبتكر المتفرد للمسرح الملحمي في القرن الـ20، سيتبين لنا بكل بساطة أنه إنما كتب معظم أعماله الإبداعية والنظرية الكبرى، وهو إما في ألمانيا قبل أن يبارحها تحت ضغط هتلر ونازييه منذ استولوا على الحكم (بالتصويت الديمقراطي، ولكن في بلد تمكن ذل الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، والانهيار الاقتصادي من تحويل ناخبيه إلى قطعان من غنم)، وإما في منافيه المتعددة التي احتوته خلال المرحلة الأكثر خصوبة من حياته.
بمعنى أنه حين عاد لوطنه، ألمانيا الشرقية، آمناً مطمئناً، ركن إلى عيش هادئ لا أعمال كبيرة فيه، ولكنه لم يخلُ من كتابات نظرية أو من نصوص قصصية، يمكن القول إن معظمها لا يرقى إلى أعماله المجيدة السابقة.
ولقد تواصلت تلك الحال لديه أكثر من عقدين سبقا رحيله عن عالمنا في عام 1956 وهو شبه غائب عن أعماله الكبرى، ولكن ليس عن مجده الكبير الذي جعل العالم كله يعيش سجالات صاخبة من حول أدبه ومسرحه كما جعل كبار المبدعين من الأجيال التالية له يمعنون في الحديث عن كونه معلمهم وملهمهم.