هل يمكن فعلاً رسم حدود للفلسفة من دون أن نخون طبيعتها المتفلتة الشريدة؟ أفليس في كل محاولة لضبطها خطر تحويلها إلى نسق مغلق يناقض روحها؟ هنا تكمن المجازفة: أن نضع المعايير، ونحن ندرك أنها ليست قوانين نهائية، بل مؤشرات يهتدي بها الحس الفلسفي من دون أن تقيد حركته.

وعليه، لا بد من المجازفة إذاً: متى يكون القول قولاً في الفلسفة؟ يمكن الاستناد، في هذا السياق، إلى تعريف دلوز للفلسفة بوصفها فن إبداع الأفاهيم. غير أن هذا التعريف، على كثافته، لا يكفي ما لم يفكك ويعاد بناؤه في صورة شروط تتيح لنا تمييز الفلسفة من سواها من دون أن تدعي الإغلاق. فليس كل قول يتضمن أفكاراً قولاً فلسفيا، وليس كل كاتب مفكراً، ولا كل مفكر فيلسوفاً. إن الفلسفة بناء له شروطه الداخلية، لكن هذه الشروط تظل حية، قابلة للمراجعة، ومفتوحة على إعادة الصياغة.

بهذا المعنى، يمكن القول إننا نعيش في فضاء يعج بالمتفلسفين، لكن يندر فيه الفلاسفة. فكلنا نتفلسف، بدرجات متفاوتة، لكن التفلسف شيء، وبناء فلسفة شيء آخر. فالتفلسف قد يكون رأياً أو تأملاً أو انطباعاً أو نقداً، أما الفلسفة فعمارة أفهومية تعود إلى الفكر بما هو كذلك، وتتأسس على عناصر لا غنى عنها، من دون أن تختزل إليها اختزالاً ميكانيكياً.