بصورة مفاجئة تحوّل ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى بند مركزي في جدول السياسة الأميركية تحت إشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نقل مسار المفاوضات من مستوى اللقاءات التقنية والتمهيدية في وزارة الخارجية الأميركية إلى مستوى الرعاية الشخصية في البيت الأبيض، في خطوة سياسية غير مسبوقة تعكس قراراً واضحاً بوضع لبنان داخل مسار تفاوضي جديد يقود إلى تسوية تتجاوز حدود وقف إطلاق النار الموقت إلى أفق سلام محتمل مع إسرائيل.
هذا التحول يعكس إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الملف اللبناني خرج من يد التجاذبات الإقليمية التقليدية ودخل مباشرة تحت المظلة الأميركية، وأن واشنطن قررت التعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الطرف الشرعي الوحيد المخوّل التفاوض باسم لبنان، لا عبر قنوات خلفية ولا عبر وسطاء محليين كما كان يحصل طوال العقود الماضية. والأكثر دلالة في هذا السياق هو الحديث المتزايد عن لقاء مرتقب بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو تطور لو حصل فعلاً سيشكّل لحظة سياسية مفصلية في تاريخ العلاقة بين البلدين منذ اتفاق الهدنة عام 1949.
فمنذ ذلك التاريخ، لم يخض لبنان الرسمي مواجهة مباشرة مع إسرائيل بصفته دولة ذات قرار سيادي مستقل، بل تحوّلت الأراضي اللبنانية تدرجاً إلى ساحة تستخدمها قوى إقليمية لتنفيذ حروبها الخاصة، في البداية كانت "منظمة التحرير الفلسطينية" التي أدارت صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل من الجنوب اللبناني، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 وخروج ياسر عرفات إلى تونس. ثم لاحقاً دخل النظام السوري السابق بقيادة حافظ الأسد على خط إدارة الملف اللبناني – الإسرائيلي، قبل أن تنتقل هذه الوظيفة إلى إيران عبر "حزب الله"، الذي خاض بدوره سلسلة حروب ذات طابع إقليمي أكثر منها لبناني، فيما بقيت الدولة اللبنانية خارج طاولة القرار الفعلي.