لم يعُد السؤال يدور حول تأثير الكتب في القراء لأن الجواب عنه بات بديهياً، لكن السؤال الأدق هو، كيف تؤثر بعض الكتب في بعض القراء إلى درجة تتجاوز التسلية والمعرفة والإعجاب، وتبلغ مستوى إعادة التشكيل الداخلي؟ وكيف يتحول النص من موضوع للفهم إلى أداة لإعادة بناء الذات؟ وما الذي يميز كتاباً يستهلك ثم ينسى، عن كتاب يستقر في الداخل كأنه صار جزءاً من بنية الذات نفسها؟ هذه الأسئلة لا تخص الأدب الحديث وحده، ولا يمكن ردها إلى علم النفس وحده. فهي تمتد من المتون المؤسسة في التاريخ البشري، الدينية والفلسفية والصوفية، إلى الرواية الحديثة والسيرة الذاتية والنصوص التأملية، وتمس في العمق العلاقة المعقدة بين اللغة والذاكرة والهوية والصوت الداخلي.

وربما يمكن القول أيضاً أن هذا النوع من الأثر ليس وهماً خطابياً، ولا مبالغة وجدانية يلجأ إليها القراء حين يريدون تعظيم أثر ما عليهم، بل هو ظاهرة حقيقية تقاطعت في تناولها والبحث فيها ومحاولة تحليلها حقول متعددة، بدءاً من تاريخ الأديان والفلسفة والتصوف، إلى علم النفس السردي، وكذلك في نظريات القراءة، وفي علوم الأعصاب المعرفية.