نادراً ما يكون المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ساحة لحدوث انقسامات جيوسياسية. لكن هذا العام، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام حشد من المسؤولين التنفيذيين وكبار الشخصيات ليعلن نهاية حقبة. فالعولمة، من خلال وعدها بالتعاون الذي يحقق مكاسب للجميع، قد أفسحت المجال لتصاعد حرب اقتصادية محتدمة. وقال كارني: "لقد بدأت القوى الكبرى تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها. لا يمكن العيش في وهم المنفعة المتبادلة من خلال التكامل، عندما يصبح التكامل مصدر خضوعك".
وبحسب رواية كارني، فإن الجبابرة [القوى العظمى] تتقدم، ولا تترك أمام الآخرين خياراً سوى التكتل والتكاتف للدفاع عن أنفسهم. إلا أن سرده، مهما كان مؤثراً، يخفي واقعاً أكثر تقلباً: ففي عصر الحرب الاقتصادية هذا، حتى القوى العظمى تشعر بتزايد انعدام الأمن. لقد أدركت الدول، كبيرة كانت أو صغيرة، مدى هشاشتها أمام الإكراه الاقتصادي الخارجي، وقد أدى الخوف الذي أثاره هذا الإدراك إلى دفع السياسات في اتجاهات غير متوقعة.
بعد أسبوعين من خطاب كارني، حشد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وزراء من أكثر من 50 دولة في الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية، في محاولة لكسر احتكار الصين للعناصر الأرضية النادرة. وقبل ذلك بأيام، نشرت مجلة "تشيوشي" Qiushi، وهي المجلة الرسمية للحزب الشيوعي الصيني، خطاباً للزعيم الصيني شي جينبينغ يدعو فيه إلى أن "يحقق الرنمينبي [الاسم الرسمي لعملة اليوان] مكانة عملة احتياطية"، بينما حث المنظمون الصينيون البنوك على الحد من شراء سندات الخزانة الأميركية. فصحيح أن إدارة ترمب لا تُبدي أي ميل إلى التعددية، وأن جينبينغ كثيراً ما تعامل بحذر مع تدويل اليوان، لكن بالنسبة إلى كل من واشنطن وبكين، أصبح التحصن من الترسانة الاقتصادية للطرف الآخر ضرورة استراتيجية.