سواء بحثنا في ثنايا عدد من أجزاء سلسلة إميل زولا الروائية الطويلة "آل روغون - ماكار" أو في بعض آخر من رواياته التي لا تنتمي إلى هذه السلسلة ذات الـ20 جزءاً والتي أرست دعائم ما يمكن تسميته التاريخ الاجتماعي في الأدب الروائي، لا ريب أننا لن نفشل في الحصول على ما يكشف عن تأثر عميق لزولا (1840 - 1902) بجانب أو بآخر من العوالم التي خلقها هوميروس وجعلها حجر الرحى في ملحمتيه الكبيرتين، ولا سيما منهما "الأوديسة" التي نتحدث عنها هنا.

لكننا إذ نجد أن لا بد لنا من أن نصل إلى اختيار محدد لضيق المساحة من ناحية، ولاتساع رقعة الموضوع من ناحية أخرى، نميل إلى التوقف وفي نوع من التواتر بالتأكيد، عند رواية "جيرمينال" ولكن عند الطريقة التي ربط بها الكاتب علاقة ما، بين هذه الرواية من ناحية ومن ناحية ثانية دانتي وفرجيل اللذين في سفريهما الكبيرين، "الكوميديا الإلهية" بالنسبة إلى الأول، و"الإنيادة" بالنسبة إلى الثاني، استلهما بدورهما الملحمتين الإغريقيتين المذكورتين.

وآية ذلك، على أية حال، أن زولا في هذه الرواية التي تدور أحداثها في الشمال الفرنسي الذي يعيش من استخراج معادن المناجم، إنما صور شروط الحياة الجحيمية التي يعيشها العمال هناك ورغبتهم الدائمة في التمرد على بؤس أوضاعهم، واضعاً نصب عينيه المبادئ التي حكمت سلسلته الروائية والتي تقتضي بأن يكون أدبه علمياً ووسيلة للتعرف على أحوال العالم والطبع البشري.