في عام 1788، قبل وفاته بثلاث سنوات، كان موزارت في الـ32 من عمره، مفلساً مريضاً يعيش هبوطاً مدهشاً في معنوياته، ويخيل إليه وإلى كثر من الذين يحيطون به، أن فنه لن تقوم له قائمة بعد اليوم. ومع ذلك فاجأ العبقري الشاب أهله ومحبيه في صيف ذلك العام باشتغاله على ثلاث سيمفونيات أنجزها في وقت واحد، وخلال فترة زمنية لا تزيد على ستة أسابيع. وكان من بين هذه السيمفونيات، الأخيرة التي تحمل الرقم 41 بين أعماله من هذا النوع، وتعرف باسم "جوبيتر".

واللافت هو أن هذه السيمفونية تعتبر الأقوى والأجمل بين مجمل إنتاجه السيمفوني، بل يذهب بعض النقاد والباحثين أنها الوحيدة وربما إلى جانب سابقتها، الرقم 40، التي تفوق فيها موزارت على أعماله الأوبرالية، خصوصاً على "دون جيوفاني" التي لحنها قبلها بعام، وعلى "هكذا يفعلنها جميعاً" التي كتبها بعدها بعام، إذ يرى هؤلاء أنه بقدر ما كان موزارت عبقرياً في فن الأوبرا، ثم خصوصاً في كونشرتوات البيانو، كانت أعماله السيمفونية بصورة عامة، أقل عبقرية من تلك الأعمال. غير أن هؤلاء الباحثين يعترفون للـ40 وللـ41، بمكانة شديدة التقدم والعلو في موسيقى موزارت ككل، ومع هذا ليس ثمة من بين المؤرخين والباحثين من يؤكد أو لا يؤكد أن سيمفونية جوبيتر قد عزفت خلال حياة مؤلفها.

ففي الوقت الذي انتهى من كتابتها يوم الـ10 من أغسطس (آب) من عام 1788، كان موزارت منهمكاً لأسباب معيشية لا أكثر، في تحضير سلسلته الموسيقية المعروفة بـ"كونشرتو للكازينو"، وذلك كي تقدم هذه الأعمال القصيرة في سهرات الكازينو الجديد الذي كان افتتحه صديقه فرانك أوتو. والحقيقة أن التاريخ لا يقول لنا، حتى في هذا المجال، ما إذا كانت تلك السلسلة نفسها قدمت في الكازينو أو لم تقدم.