بحسب هذا المعنى، تخرج السيرة الفكرية من الجنس الأدبي إلى الممارسة الفلسفية: إعادة بناء مسار التفكير، وكشف شروط إمكانه، ومساءلة مستمرة لما نعده معنى ومعرفة وحقيقة. من هذه الزاوية، يمكن وصل مشروع بوبر بمشروع جيل دلوز، لا من ناحية الاتفاق، بل من ناحية المشاركة في سؤال أعمق: ما الذي يجعل الفكر فكراً فلسفياً أصلاً؟ وهل تقاس قيمته بما يقدمه من حلول؟ أم بما يفتحه من مسائل؟

مسار مسائل

ما يميز نص بوبر هو هذا الإصرار على جعل تطور الأفكار محور السرد. فالعقلانية النقدية، وقابلية الدحض، ونقد الاستقراء، وفكرة المجتمع المفتوح، لا تظهر ظهور نتائج جاهزة، بل مسارات تألفت عبر احتكاك دائم بمشكلات واقعية ونظرية. إن حياته، وفق هذا المعنى، ليست سلسلة أحداث، بل سلسلة مسائل: كل فكرة تنبثق من تعثر، وكل نظرية تولد من إخفاق، وكل يقين ينقلب إلى سؤال.