إذا كان مونتاني في بعض صفحات مقالاته الفلسفية، قد دنا من يوليسيس ورحلته، من موقع الأخلاق والتأمل الفلسفي، وإميل زولا دنا منها من منطلق الترابط مع جحيم دانتي الذي كان أصلاً مستقى من الجحيم الذي عاشه بطل الأوديسة في رحلة عودته لإيثاكا بعد غيابه عنها عقداً من السنين وأكثر، فإن لوي فردينان سيلين، في استلهامه هو الآخر من الملحمة التأسيسية نفسها في تاريخ البشرية الإبداعي، حرص ومنذ عنوان روايته الكبرى "سفر إلى آخر الليل"، على أن يموضع نفسه في حمى البطل الملحمي وسفره الطويل، وحتى من أن يدخل قارئه في الصفحات الأولى من روايته. أي منذ العنوان الذي بكلماته الأربع يكاد يختصر تلك الرحلة الهوميرية، التي تستغرق في الملحمة مئات الصفحات.

فهناك في العنوان، فعل السفر نفسه رمزاً للترحال، وهناك الليل العتم كناية عن العمى الذي كان على سبيل تلك الكناية، يقود خطى البطل في توهانه بحثاً عن امرأته وملكه، وهناك بصيص النور الذي يلوح آخر الليل كفعل تفاؤل أكثر مما هو، استعارة زمنية.

ولكن لئن كانت رحلة يوليسيس تقوده عبر البلقان ومجاهله وبحاره، فإن رحلة باردامو بطل الرواية السيلينية، ستنطلق، رمزياً بالتأكيد، ولكن عملياً أيضاً، من ساحة كليشي في الشمال الباريسي، حيث كان سيلين كطبيب كاتب، يعيش بالفعل، إلى الساحة نفسها في رحلة دائرية تمر به في البعيد البعيد ولا سيما في نيويورك حيث يمعن الكاتب في اختبار أقصى ما يمكن للغة أن تعبر عنه من ابتذال.